|
كانت كلمة الملك عبدالله عند لقائه أعضاء مجلس الشورى الجدد بمثابة ميثاق جعله في أعناقهم، فمن خلال كلمات قليلة أسس لمعانٍ كثيرة غاية في الأهمية، إذ أوصاهم بألا تأخذهم في الحق لومة لائم وأن الحق فوق كل شيء. وهذا يردّنا إلى النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق الصادرة عام 1412، إذ مثلت هذه الأنظمة خطوات جيدة لترسيخ قواعد الحكم في المملكة، وأسست منهجية مجلس الشورى، انطلاقاً من كونه سلطة تنظيمية تختص بوضع الأنظمة واللوائح بما يحقق المصلحة أو يرفع المفسدة في شؤون الدولة. والملاحظ لعمل المجلس خلال الدورتين الأولى والثانية يلمس حرص رئيس المجلس وأعضائه على اتباع أسلوب هادئ والبعد عن الإثارة، لكي لا يشعر أحد بأن المجلس مصدر قلق له، إلى أن يتجاوز المجلس فترة التكوين ويستقر ضمن مؤسسات الدولة. وقد تم بحمد الله ذلك وأصبح المجلس ركناً هاماً من أركان مؤسسات الدولة. ولكن في سبيل تحقيق المصلحة الشورية الكاملة للمجلس يجب أن تتوافر عدة أمور، أولها إلزام أجهزة الدولة بتنفيذ القرارات الصادرة عن المجلس لا أن تعتبر توصيات فقط، كما يجب إعطاء المجلس حق مراقبة أداء الحكومة, ومراقبة دخل الدولة ومصروفاتها ومراقبة الالتزام بتنفيذ ميزانية الدولة، أضف إلى ذلك ضرورة مشاركة المرأة في عضوية المجلس، كونها نصف المجتمع الذي لا يجوز أن يتم إقصاؤه؟! كما أن تداخل الاختصاص بين سلطتي مجلس الشورى ومجلس الوزراء وتحديداً فيما يتعلق بمفهوم السلطة التنظيمية يمثل أحد معوقات عمل مجلس الشورى، حيث يرى الكثير من المتابعين أن مجلس الوزراء يقوم في بعض الأحيان بالمشاركة في أعمال تنظيمية تخص مجلس الشورى وحده ومثال ذلك ما تقوم به لجنة الخبراء في مجلس الوزراء، ولكي تحل هذه المعضلة يجب إعادة صياغة نظام مجلس الشورى، بحيث يصبح هو عمود السلطة التنظيمية في البلاد وأن مجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية، كذلك يجب أن يُعطى المجلس الحق في استدعاء الوزراء وأعضاء الحكومة مباشرة ومناقشتهم. وانطلاقاً من توجه الملك عبدالله الإصلاحي بالإسهام في التوزيع العادل للثروة وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين وترسيخ مبادئ الشفافية والإفصاح والمحاسبة والعقاب والثواب وذلك بتوسع المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات ولكي يتحقق الهدف الشوري والهدف التمثيلي للمجتمع وبعد مرور عقدين تقريباً على صدور نظام المجلس أصبح من الضروري إعادة النظر في نظام المجلس بأن يكون هناك مجلسان، مجلس شورى محدود العدد ومجلس تمثيلي كبير العدد، وكلا المجلسين يؤدي وظيفة تكاملية يتحقق من خلالها ركن السلطة التنظيمية في نظام الحكم. فقد بدت الحاجة إلى تأسيس مجلس مواز لمجلس الشورى وهو مجلس النواب - كما هو الحال في البحرين وفي مجلس اللوردات في بريطانيا مثلا - يمثل جميع فئات المجتمع السعودي لتحقيق مشاركة مناطقية وفئوية للمجتمع السعودي، وفيما يرتكز مجلس الشورى على مبدأ التعيين يقوم مجلس النواب على مبدأي الانتخاب والتعيين ليتحقق التمثيل الكامل، ويكون عدد النواب بالمئات, نصفهم بالتعيين والآخر بالانتخاب، على أن تعتبر هذه المرحلة مرحلة وسيطة قبل أن يكون المجلس التمثيلي وهو مجلس النواب كاملاً بالانتخاب. أما مجلس الشورى فيتم تعيين أعضائه بحيث لا يتعدى تعداده الـ 60 عضواً لتحقيق الفائدة، شريطة أن تكون معايير الاختيار منصبة على مؤهلات وخبرات العضو فقط والابتعاد عن التمثيل الإقليمي والمذهبي والقبلي، لكي يتم التنوع في التأهيل والخبرة. هذان المجلسان يمثلان السلطة التنظيمية في المملكة، وتكون وظيفة كلا المجلسين وظيفة تكاملية بحيث يكون التصويت على القرارات بأغلبية الأصوات في المجلسين، بما يضمن المصداقية ودقة القرارات المتخذة.
أخيـرا:
يلقي الكثير من أعضاء مجلس الشورى باللائمة على عدم وجود صلاحيات لديهم، وأن بعض الوزراء يرون في المجلس جهة رقابية جديدة غير مرغوبة, وقد تكون معطلة لمشاريع الوزارات, حيث تم خلق مسمى التنظيم لقطع الطريق على دراسة بعض الأنظمة في المجلس. وهذا ليس عذراً مقبولاً منهم, حيث إنه تم تعديل الصلاحيات بحيث يمكن للمجلس نفسه أن يتبنى أية مبادرة ويناقشها ومن ثم يرفع ما يراه بشأنها إلى الملك. فهل يعقل أن المجلس لا يراجع تقارير وزارة المالية وتقارير مؤسسة النقد وتقارير الوزارات الحساسة في وقت قدم فيه بعض أعضاء المجالس البلدية الكثير لمناطقهم وهم ليس لديهم صلاحيات تذكر؟!
ختاماً:
ما نتمناه في المستقبل هو إنشاء مجلس نواب منتخب انتخاباً جزئياً وتوسيع صلاحيات مجلس الشورى، لكي يتمكن من مناقشة الميزانية العامة للدولة وعرض الحساب الختامي للدولة لمراجعته، كما نتمنى إعطاء صلاحية استدعاء الوزراء المسؤولين مباشرة دون استئذان، كما أتمنى من الدكتور عبد الله آل الشيخ رئيس مجلس الشورى الانفتاح على وسائل الإعلام المحلي والعالمي . والله الموفق لما فيه صلاح البلاد. |