المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطاب باراك أوباما حول المسألة العِرقية في الولايات المتحدة


أمل
30-03-2008, 06:51 PM
خطاب باراك أوباما حول المسألة العِرقية في الولايات المتحدة

باراك أوباما

(النص الحرفي )- ترجمة نسرين ناضر - النهار اللبنانية

"نحن الشعب، من أجل إنشاء اتحاد أكثر كمالاً".

قبل 221 عاماً، في قاعة لا تزال في الجهة المقابلة من الشارع، التقت مجموعة رجال، وأطلقت بهذه الكلمات البسيطة تجربة أميركا في الديموقراطية التي لم تكن متوقَّعة آنذاك. فبعد طول انتظار، تمكّن المزارعون ورجال العلم؛ رجال الدولة والوطنيون الذين عبروا المحيط هرباً من الاستبداد والاضطهاد، أن يحوّلوا إعلان الاستقلال حقيقة في مؤتمر عُقِد في فيلادلفيا ودام طوال ربيع 1787.

وفي نهاية المطاف تم التوقيع على الوثيقة المنبثقة عن المؤتمر لكنها ظلت غير منتهية. وقد تلطّخت بخطيئة هذه البلاد الأصلية ألا وهي خطيئة العبودية، هذه المسألة التي أحدثت انقساماً بين المستعمرات وجعلت المؤتمر يصطدم بحائط مسدود إلى أن اختار الآباء المؤسسون أن يجيزوا استمرار العبودية لعشرين سنة إضافية على الأقل، ويتركوا القرار النهائي لأجيال المستقبل.

بالتأكيد، كان قد سبق لدستورنا أن قدّم الجواب عن مسألة العبودية – هذا الدستور الذي قام في الأساس على المثل الأعلى المتمثّل بالمساواة في المواطنية في ظل القانون؛ والذي وعد شعبه بالحرية والعدالة، وباتحاد يمكن ويجب صقله مع مرور الوقت ليصبح كاملاً.

غير أن الكلمات المكتوبة على الورق لم تكن كافية لتحرير العبيد من نير العبودية، أو منح الرجال والنساء من مختلف الألوان والعقائد كامل حقوقهم وواجباتهم كمواطنين في الولايات المتحدة. كانت هناك حاجة إلى أميركيين من الأجيال المتعاقبة مستعدين للقيام بما عليهم – من خلال الاحتجاجات والنضال، في الشوارع والمحاكم، من خلال حرب أهلية وعصيان مدني ودائماً مع كثير من المخاطرة – من أجل تقليص الثغرة بين المثل العليا الموعودة والواقع الذي كانوا يعيشونه آنذاك.

كانت هذه إحدى المهمات التي أخذناها على عاتقنا عند مستهل هذه الحملة – أن نكمل المسيرة الطويلة لمن جاؤوا قبلنا، المسيرة من أجل أميركا أكثر عدالة ومساواة وحرية وعناية بأبنائها وازدهاراً. اخترت الترشح للرئاسة في هذه اللحظة من التاريخ لأنني من أشد المؤمنين بأنه لا يمكننا رفع تحديات زماننا إلا إذا عملنا معاً – إلا إذا جعلنا اتحادنا كاملاً من خلال الإدراك بأنه قد تكون لدينا قصص مختلفة لكننا نحمل آمالاً مشتركة؛ وبأننا قد لا نكون متشابهين ولا نتحدر من المكان نفسه، لكننا نريد جميعنا أن نسير في الاتجاه نفسه – نحو مستقبل أفضل لأولادنا وأحفادنا.

ينبع هذا اليقين من إيماني الراسخ بنزاهة الشعب الأميركي وسخائه لكنه ينبع أيضاً من قصتي الأميركية الخاصة.

أنا ابن رجل أسود من كينيا وامرأة بيضاء من كنساس. وقد ساعد في تربيتي جد أبيض نجا من الركود ليخدم في جيش باتون خلال الحرب العالمية الثانية، وجدة بيضاء كانت تعمل في تجميع المقاتلات في فورت ليفنوورث أثناء وجوده خارج البلاد. ارتدت بعضاً من خيرة المدارس في أميركا وعشت في واحدة من أفقر دول العالم. وأنا متزوج بأميركية سوداء يسري في عروقها دم العبيد ومالكي العبيد – وهو إرث نمرره إلى ابنتينا الغاليتين. لديّ إخوة وأخوات وأبناء إخوة وأخوات وأعمام وأخوال وأبناء أعمام وأخوال من مختلف الأعراق والألوان، موزعون في ثلاث قارات، ولن أنسى طالما حييت بأن قصتي مستحيلة في أي بلد آخر على وجه الأرض.

وهذه القصة لم تجعلني مرشحاً عادياً. لكنها قصة طبعت تركيبتي الجينية بفكرة أن هذه الأمة هي أكثر من مجرد مجموع أجزائها – وبأننا أمة واحدة حقاً مؤلّفة من أمم كثيرة.
طوال العام الأول من هذه الحملة، وخلافاً لكل التوقعات، لمسنا مدى تعطّش الشعب الأميركي لرسالة الوحدة هذه. على الرغم من اغراء النظر إلى ترشحي من خلال عدسة محض عرقية، حققنا انتصارات قوية في ولايات تملك العدد الأكبر من السكان البيض في البلاد. في كارولينا الجنوبية، حيث لا يزال العلم الكونفيديرالي يرفرف، بنينا ائتلافاً قوياً من الأميركيين الأفارقة والأميركيين البيض.

لا يعني هذا أن العرق لم يكن مسألة مهمة في الحملة. ففي مراحل عدة منها، اعتبرني بعض المعلّقين "أسود جداً" أو "غير أسود بما يكفي". ورأينا التشنجات العرقية تطفو إلى السطح في الأسبوع الذي سبق الانتخابات التمهيدية في كارولينا الجنوبية. وقد فتّشت الصحافة في كل استطلاعات الرأي عن أحدث دليل عن الاستقطاب العرقي، ليس فقط بين السود والبيض، إنما أيضاً بين السود والسمر.

لكن في الأسبوعين الأخيرين فقط، اتّخذ الحديث عن العرق في هذه الحملة منحى تقسيمياً جلياً.

في جهة من المشهد، سمعنا تلميحاً بأن ترشحي هو بطريقة ما وجه من أوجه التمييز الإيجابي؛ وأنه يستند فقط إلى رغبة الليبراليين السذّج بشراء المصالحة العرقية بسعر رخيص. ومن الجهة الأخرى، سمعنا مرشدي السابق، القس جيريميا رايت، يستعمل لغة تأجيجية للتعبير عن آراء ليس من شأنها أن تعمّق الانقسام العرقي وحسب بل تحط أيضاً من عظمة بلادنا وصلاحها؛ وتسيء إلى البيض والسود على السواء.

لقد سبق أن أدنت بعبارات لا لبس فيها تصاريح القس رايت التي أثارت هذا الجدل. لكن لا تزال هناك أسئلة تزعج البعض. هل كنت أعرف أنه ناقد لاذع من حين لآخر للسياسة المحلية والخارجية الأميركية؟ بالتأكيد. هل سمعته يوماً يصدر ملاحظات يمكن أن تُعتبَر مثيرة للجدل بينما كنت أجلس في الكنيسة؟ نعم. هل أختلف بشدة مع الكثير من آرائه السياسية؟ بكل تأكيد – وأنا واثق تماماً من أن الكثيرين بينكم سمعوا ملاحظات من قسوسهم أو كهنتهم أو حاخاماتهم، وهم لا يوافقونهم الرأي فيها على الإطلاق.

لكن الملاحظات التي سبّبت العاصفة الأخيرة لم تكن مثيرة للجدل وحسب. وهي لم تكن مجرد محاولة من قائد ديني لانتقاد ما يعتبره إجحافاً. بل عبّرت عن نظرة مشوَّهة جداً لهذه البلاد – نظرة تعتبر العرقية البيضاء وباء مستوطناً؛ وتضع كل ما هو خطأ في أميركا فوق كل ما نعلم أنه صحيح في أميركا؛ نظرة تعتبر أن النزاعات في الشرق الأوسط متجذّرة في شكل أساسي في ممارسات حلفاء مخلصين لنا مثل إسرائيل، ولا تنبع من إيديولوجيات الإسلام الراديكالي الشاذة والحاقدة.

وبناءً عليه، لم تكن تعليقات القس رايت خاطئة وحسب إنما أيضاً تقسيمية في وقت نحتاج فيه إلى الوحدة، ومشحونة عرقياً في وقت نحتاج فيه إلى العمل معاً لحل مجموعة من المشكلات الضخمة – حربَين، وتهديد إرهابي، واقتصاد مترنّح، وأزمة مزمنة في الرعاية الصحية، وتغيير مناخي يمكن أن يكون مدمّراً؛ وهذه المشكلات ليست سوداء ولا بيضاء ولا لاتينية ولا آسيوية، بل هي مشكلات نواجهها جميعنا.

انطلاقاً من خلفيتي وسياستي وقيمي ومثلي العليا المعلنة، لا شك في أن هناك من لا يكتفون بتصريحاتي الشاجبة لهذه التعليقات. فقد يسألون، لماذا ربطت نفسي في الأصل بالقس رايت؟ لماذا لا أنضم إلى كنيسة أخرى؟ وأعترف أنه لو كان كل ما عرفته عن القس رايت يقتصر على تلك المقاطع من العظات التي راحوا يعرضونها بلا انقطاع على محطات التلفزة وموقع "يوتيوب" الإلكتروني، أو لو كانت كنيسة المسيح "ترينيتي يونايتد" تتطابق مع الأوصاف الكاريكاتورية التي يروّجها بعض المعلقين، لا شك في أنني كنت لأطرح التساؤلات نفسها.

لكن الحقيقة هي أن هذا ليس كل ما أعرفه عن الرجل. فهذا الرجل الذي التقيته قبل أكثر من عشرين عاماً ساهم في تعريفي على إيماني المسيحي، وكلّمني عن الواجب الذي يفرض علينا أن نحب بعضنا بعضاً ونعتني بالمرضى ونعين الفقراء. لقد خدم هذا الرجل بلاده جندياً في المارينز، ودرس وحاضر في بعض من خيرة الجامعات والمعاهد اللاهوتية في هذه البلاد، وقاد طوال أكثر من ثلاثين عاماً كنيسة تخدم المجتمع عبر القيام بعمل الله هنا على الأرض – من خلال إيواء المشرّدين ومد يد العون للمعوزين وتأمين خدمات الرعاية النهارية والمنح الدراسية والخدمات الكهنوتية في السجون، والاعتناء بمن يعانون من فيروس نقص المناعة المكتسبة / الأيدز.

في كتابي الأول "أحلام من والدي"، تحدثت عن تجربة خدمتي الأولى في ترينيتي:
"بدأ الناس يصرخون، وينهضون من مقاعدهم ويصفّقون ويهتفون، وكانت رياح قوية تحمل صوت القس عبر الروافد الخشبية... وفي تلك الكلمة وحدها – أمل! – سمعت شيئاً آخر؛ عند أقدام ذلك الصليب، داخل آلاف الكنائس في مختلف أنحاء المدينة، تخيّلت قصص السود العاديين تمتزج مع قصص داود وغوليات، وموسى والفرعون، والمسيحيين في عرين الأسد، ووادي العظام الجافة في سفر حزقيال. أصبحت تلك القصص – عن البقاء والحرية والأمل – قصتنا، قصتي؛ الدماء التي أريقت كانت دماءنا، والدموع دموعنا؛ إلى أن بدت هذه الكنيسة السوداء في هذا اليوم المشرق، من جديد مركباً يحمل قصة شعب إلى أجيال المستقبل وإلى عالم أوسع. أصبحت تجاربنا وانتصاراتنا فريدة وكونية في آنٍ واحد، سوداء وأكثر من سوداء؛ وفي تأريخ رحلتنا، أعطتنا القصص والأغاني وسيلة لنستعيد ذكريات لم يكن هناك من داعٍ لنشعر بالخجل منها... ذكريات يمكن أن تدرسها كل الشعوب وتتعلّق بها – ويمكننا أن ننطلق منها لنبني من جديد".

كانت هذه تجربتي في ترينيتي. على غرار كنائس أخرى ذات غالبية سوداء في مختلف أنحاء البلاد، تجسّد ترينيتي المجتمع الأسود برمته – الطبيب والأم المسجّلة في برنامج الرعاية، الطالب النموذجي ورجل العصابات السابق. وعلى غرار كنائس سوداء أخرى، تحفل الطقوس في ترينيتي بالضحك الأجش وأحياناً بالدعابة الفاسقة. إنها حافلة بالرقص والتصفيق والصراخ والهتاف التي قد تبدو مزعجة لمن لم يألفوها. تؤوي الكنيسة اللطف والقسوة، الذكاء الحاد والجهل المثير للصدمة، النضالات والنجاحات، الحب ونعم، المرارة والتحيّز اللذين يطبعان تجربة السود في أميركا.

وهذا يساعد ربما على شرح علاقتي بالقس رايت. قد لا يكون كاملاً، لكنه كان بمثابة عائلة بالنسبة إلي. ثبّت إيماني وترأس حفل زفافي وتنصير ابنتَي. في الأحاديث التي تبادلتها معه، لم أسمعه يوماً يتحدث بعبارات ازدراء عن أي مجموعة إتنية، أو يعامل البيض الذين يتفاعل معهم بغير اللياقة والاحترام. يحتوي بداخله على تناقضات الجماعة – الخير والشر – التي يخدمها باجتهاد منذ سنوات كثيرة.

لا يمكنني أن أتبرّأ منه تماماً كما لا أقدر أن أتبرّأ من السود. لا يمكنني أن أتبرّأ منه تماماً كما لا يمكنني أن أتبرأ من جدتي البيضاء – المرأة التي ساعدت في تربيتي وضحّت باستمرار من أجلي، المرأة التي تحبني أكثر من أي شيء في هذا العالم لكنها المرأة التي باحت ذات مرة بأنها تخاف من السود الذين يمرون بقربها في الشارع، والتي تلفّظت في أكثر من مناسبة بآراء نمطية عرقية أو إتنية جعلتني أجفل.
هؤلاء الأشخاص هم جزء مني. وهم جزء من أميركا، هذا البلد الذي أحبه.

قد يرى البعض في هذا الكلام محاولة لتبرير، أو التغاضي عن تعليقات لا يمكن تبريرها. أؤكّد لكم أنها ليست كذلك. أظن أن الخطوة الآمنة سياسياً هي أن نتجاوز هذه المحطة ونأمل أن تتلاشى وحسب. يمكننا أن نصف القس رايت بالنزِق السيئ الطباع أو الديماغوجي تماماً كما قال بعضهم عن جيرالدين فيرارو عقب تصاريحها الأخيرة، إنها تخزّن بداخلها تحيزاً عرقياً متجذراً بقوة.

لكن العرق مسألة لا تستطيع هذه الأمة برأيي أن تتجاهلها في الوقت الحالي. فإذا تجاهلناها نرتكب الأخطاء نفسها التي ارتكبها القس رايت في عظاته المسيئة عن أميركا – تبسيط السلبي وقولبته في أفكار نمطية وتضخيمه إلى درجة تشويه الحقيقة.
الواقع هو أن التعليقات التي أُطلِقت والمسائل التي برزت إلى الواجهة في الأسابيع القليلة الماضية تعكس تعقيدات العرق في هذه البلاد التي لم نتمكن قط من إيجاد حل لها – وهذا جزء من اتحادنا ما زال علينا أن نعمل على صقله ليصبح كاملاً. وإذا تراجعنا الآن، إذا انسحبنا كل إلى زاويته، لن نتمكّن أبداً من التلاقي ورفع التحدّيات مثل الرعاية الصحية أو التعليم أو الحاجة إلى تأمين وظائف جيدة لكل الأميركيين.

كي نفهم هذه الحقيقة، يجب أن نتذكّر كيف وصلنا إلى هذه المرحلة. فكما كتب وليم فولكنر "لم يمت الماضي ويُدفَن. في الواقع، ليس ماضياً حتى". لا داعي هنا لنكرّر تاريخ الإجحاف العرقي في هذا البلد. لكن يجب أن نتذكّر أن العديد من أوجه التفاوت الموجودة الآن في المجتمع الأميركي-الأفريقي تعود مباشرة إلى عدم المساواة التي انتقلت إلينا من جيل سابق عانى في ظل الإرث الهمجي للعبودية وجيم كرو.

كانت مدارس السود ولا تزال متدنّية المستوى؛ لم نصلحها حتى الآن، بعد مرور خمسين عاماً على قضية بارون ضد هيئة التعليم، كما أن التعليم المتدنّي المستوى الذي كانت تؤمّنه ولا تزال، يسمح بشرح الثغرة الكبيرة في الإنجازات بين الطلاب السود والطلاب البيض في الزمن الحالي.

أدّى التمييز المثبّت في القوانين – حيث كان يُمنَع على السود، وغالباً من خلال العنف، حيازة أملاك، أو كان مالكو الأعمال الأميركيون من أصل أفريقي يُمنَعون من الحصول على قروض، أو يُحرَم مالكو المنازل السود من الإفادة من الرهون العقارية ذات الدفعة الأولى المنخفضة، أو يُستبعَد السود من النقابات أو الشرطة أو الإطفاء – إلى حرمان العائلات السود من جمع ثروة كبيرة يمكنهم أن يورثوها للأجيال المستقبلية. يساعد هذا التاريخ على فهم الثغرة في الثروات والمداخيل بين السود والبيض، وجيوب الفقر المركّزة التي لا تزال موجودة في الكثير من المجتمعات المدينية والريفية اليوم.

أدّى غياب الفرص الاقتصادية المتاحة للسود، والعار والإحباط اللذان يسببهما عدم القدرة على إعالة الأسرة، إلى زعزعة العائلات السوداء – وربما زادت سياسات الرعاية الاجتماعية هذه المشكلة سوءاً طوال سنوات كثيرة. كما أدّى غياب الخدمات الأساسية في العديد من أحياء السود في المدن – متنزهات ليلعب فيها الأولاد، وقيام الشرطة بدوريات، وجمع النفايات بانتظام، وترسيخ تطبيق القوانين – إلى خلق دورة من العنف والفساد والإهمال لا تزال تطاردنا حتى الآن.

هذا هو الواقع الذي نشأ فيه القس رايت وأميركيون أفارقة آخرون ينتمون إلى جيله. فقد بلغوا سن الرشد في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات عندما كان الفصل العرقي لا يزال القانون السائد، وكانت الفرص محدودة جداً. ما يلفت الانتباه ليس فشل الكثيرين في وجه التمييز، بل كيف تجاوز عدد كبير من الرجال والنساء العراقيل؛ وكيف استطاع كثر أن يشقوا طريقاً من لا شيء لأولئك الذين جاؤوا بعدهم مثلي.

لكن عدداً كبيراً ممن عملوا بجهد وبكل ما أوتوا من قوة للحصول على قطعة من الحلم الأميركي، لم ينجحوا بذلك – إنهم أولئك الذين هزمهم التمييز بطريقة أو بأخرى. وقد انتقل إرث الهزيمة ذاك إلى أجيال المستقبل – أولئك الشبان والأعداد المتزايدة من الشابات الذين نراهم يقفون في زوايا الشوارع أو يذوون في سجوننا، من دون أمل أو آفاق للمستقبل. حتى بالنسبة إلى السود الذين نجحوا في الحصول على حصة من الحلم الأميركي، لا تزال مسائل العرق والعرقية تحدّد نظرتهم إلى العالم بطرق أساسية.

بالنسبة إلى الرجال والنساء المنتمين إلى جيل القس رايت، لم تتبدّد ذكريات الإذلال والشك والخوف، ولا غضب تلك الأيام ومرارتها. قد لا يعبّرون عن ذلك الغضب في العلن، أمام زملائهم البيض في العمل أو أصدقائهم البيض. لكنهم يُطلقون العنان لهذا الغضب في صالونات الحلاقة أو حول طاولة الطعام في المطبخ. وأحياناً يستغل السياسيون ذلك الغضب لكسب أصوات من منطلقات عرقية أو للتعويض عن إخفاقاتهم.

كما يُعبَّر عن هذا الغضب من حين لآخر في الكنيسة صباح الأحد، على منبر الوعظ أو في مقاعد الحضور. وشعور عدد كبير من الأشخاص بالمفاجأة لسماع ذلك الغضب في بعض عظات القس رايت يذكّرنا ببساطة بالحقيقة البديهية القديمة بأن الساعة التي يتجلّى فيها الفصل العرقي بالقوة الأكبر في الحياة الأميركية هي صباح الأحد. وليس ذلك الغضب مثمراً دائماً؛ ففي معظم الأحيان يلهي عن حل المشكلات الحقيقية؛ ويمنعنا من أن نواجه مباشرة تعقيدات وضعنا، ويحول دون تمكن الأميركيين الأفارقة من بناء التحالفات التي يحتاجون إليها لتحقيق تغيير حقيقي. لكن الغضب حقيقي؛ إنه قوي؛ والتمني بكل بساطة لو أنه يختفي، وإدانته من دون فهم جذوره لا يساهمان إلا في توسيع هوة سوء الفهم بين الأعراق.

في الواقع، هناك غضب مشابه لدى فئات من البيض. لا يشعر معظم الأميركيين البيض الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة والمتوسطة أن عرقهم يمنحهم امتيازات خاصة. تجربتهم هي تجربة المهاجرين – فبالنسبة إليهم، لم يعطِهم أحد شيئاً، لقد بنوا كل شيء من الصفر. عملوا بجهد طوال حياتهم، ومرات كثيرة كانت وظائفهم تُشحَن إلى الخارج أو يُحرَمون من معاشاتهم التقاعدية بعد حياة من الكد والجهد. إنهم قلقون على مستقبلهم، ويشعرون أن أحلامهم تضيع منهم؛ في مرحلة من الأجور الراكدة والمنافسة العالمية، تُعتبَر الفرصة لعبة ربح وخسارة حيث تتحقّق أحلامك على حسابي. وهكذا عندما يقال لهم أن يرسلوا أولادهم بالحافلة إلى مدرسة في الجهة الأخرى من البلدة؛ ويسمعون أن أميركياً أفريقياً استطاع الحصول على وظيفة جيدة أو على مقعد في جامعة جيدة بسبب إجحاف لم يرتكبوه قط؛ وعندما يقال لهم إن مخاوفهم من الإجرام في الأحياء المدينية تنطلق من أحكام مسبقة، يزداد الاستياء مع مرور الوقت.

وعلى غرار الغضب في المجتمع الأسود، لا يُعبَّر عن هذا الاستياء بوجود أشخاص لبقين. لكنه ساعد على رسم المشهد السياسي طوال جيل على الأقل. فقد ساهم الغضب من نظام الرعاية والتمييز الإيجابي في بناء ائتلاف ريغان. وكان السياسيون يستغلّون باستمرار الخوف من الإجرام لتحقيق مآربهم الانتخابية. بنى مقدّمو برامج حوارية ومعلّقون محافظون مسيرتهم المهنية بكاملها انطلاقاً من ادّعاءات زائفة عن العرقية بينما يرفضون النقاشات المشروعة عن الإجحاف وعدم المساواة على أساس العرق معتبرين أنها مجرد ادّعاء استقامة سياسية، أو عرقية ضد البيض. وكما تبيّن أن الغضب الأسود يعود بنتائج عكسية، حوّل هذا الاستياء الأبيض الانتباه عن المذنبين الحقيقيين وراء أزمة الطبقة الوسطى – ثقافة شركات حافلة بالصفقات السرية والممارسات المشبوهة في الحسابات المالية والجشع القصير الأمد؛ ودوائر سياسية في واشنطن تسيطر عليها مجموعات اللوبي والمصالح الخاصة؛ وسياسات اقتصادية تصب في مصلحة الأقلية على حساب الغالبية. ومع ذلك، فإن التمني لو يختفي استياء الأميركيين البيض ووصفهم بالمضلَّلين أو حتى العنصريين من دون الإقرار بأن استياءهم ينطلق من مشاغل مشروعة، يوسّع أيضاً الانقسام العرقي ويسدّ الطريق أمام التفهّم.

هذا ما نحن عليه الآن. نحن عالقون في مأزق عرقي منذ سنوات. خلافاً لمزاعم بعض منتقديّ، السود والبيض، لست ساذجاً إلى درجة الاعتقاد بأن بإمكاننا تجاوز انقساماتنا العرقية في دورة انتخابية واحدة، أو من خلال ترشّح واحد – ولا سيما ترشح غير كامل بقدر ترشحي.

لكنني أكّدت اقتناعاً راسخاً – وهو اقتناع متجذّر في إيماني بالله وإيماني بالشعب الأميركي – بأنه عبر العمل معاً، يمكننا تجاوز بعض جراحنا العرقية القديمة، وأنه لا خيار أمامنا سوى متابعة السير على طريق بناء اتحاد أكثر كمالاً.

بالنسبة إلى الأميركيين الأفارقة، يعني هذا الطريق تبنّي أعباء ماضينا من دون أن نصبح ضحايا هذا الماضي. ويعني أن نستمرّ في الإصرار على تحقيق العدالة الكاملة في مختلف نواحي الحياة الأميركية. لكنه يعني أيضاً أن نربط شكوانا الخاصة – من أجل الحصول على رعاية صحية أفضل ومدارس أفضل ووظائف أفضل – بالتطلعات الأكبر لكل الأميركيين – المرأة البيضاء التي تكافح للتخلص من التمييز على أساس الجندر، الرجل الأبيض الذي صُرِف من عمله، المهاجر الذي يحاول إطعام عائلته.

ويعني أن نتحمّل المسؤولية كاملة عن حياتنا – فنطالب آباءنا بالمزيد، ونمضي وقتاً أطول مع أولادنا، ونقرأ لهم ونعلّمهم أنهم قد يواجهون تحديات وتمييزاً في حياتهم لكن ينبغي عليهم ألا يستسلموا أبداً لليأس أو التهكّم؛ يجب أن يؤمنوا دائماً أن بإمكانهم كتابة مصيرهم بأيديهم.

لسخرية القدر، تضمّنت عظات القس رايت تعبيراً متكرراً عن هذا المفهوم للمساعدة الذاتية وهو مفهوم أميركي في جوهره – ونعم، محافظ. لكن ما فشل مرشدي السابق في إدراكه في معظم الأحيان هو أن الشروع في برنامج للمساعدة الذاتية يقتضي أيضاً إيماناً بأن المجتمع يمكن أن يتغيّر.

الخطأ الكبير في عظات القس رايت ليس أنه تكلّم عن العرقية في مجتمعنا. الخطأ الكبير هو أنه تكلّم وكأن مجتمعنا جامد؛ وكأنه لم يتحقّق أي تقدّم؛ وكأن هذا البلد – الذي أتاح لأحد أعضائه بأن يترشّح للمنصب الأعلى ويبني ائتلافاً من البيض والسود، واللاتين والآسيويين، والأثرياء والفقراء، والشبان والمتقدّمين في السن – لا يزال ملتحماً بطريقة لا عودة عنها بماضٍ مأسوي. لكن ما نعرفه – ما رأيناه – هو أن أميركا تستطيع أن تتغيّر. هذه هي العبقرية الحقيقية لهذه الأمة. ما حقّقناه حتى الآن يمنحنا أملاً – التجرؤ على الأمل – بشأن ما يمكننا أن نحققه غداً ويجب أن نحققه.

في المجتمع الأبيض، يعني السير نحو اتحاد أكثر كمالاً الإقرار بأن ما يزعج الأميركيين الأفارقة ليس موجوداً فقط في أذهان السود؛ وبأن إرث التمييز – وحوادث التمييز الحالية، ومع أنها أقل علنية من الماضي – حقيقي ويجب معالجته، ليس فقط بالأقوال إنما أيضاً بالأفعال – عبر الاستثمار في مدارسنا ومتّحداتنا؛ عبر تطبيق قوانين الحقوق المدنية وضمان الإنصاف في نظام العدالة الجنائية؛ وتأمين فرص لهذا الجيل لم تكن متوافرة للأجيال السابقة. ويقتضي أن يدرك كل الأميركيين أن أحلامك يجب ألا تأتي على حساب أحلامي؛ وأن الاستثمار في الصحة والرعاية الاجتماعية وتعليم الأولاد السود والسمر والبيض سيساعد في نهاية المطاف أميركا بأسرها على الازدهار.

في النهاية إذاً، ما هو مطلوب ليس أكثر ولا أقل مما تطلبه كل الديانات العظيمة في العالم – أن نفعل للآخرين ما نريدهم أن يفعلوه لنا. فلنكن حماة إخوتنا، هذا ما يعلّمنا إياه الكتاب المقدّس. فلنكن حماة أخواتنا. فلنجد المصلحة المشتركة التي يملكها كل واحد منا في الآخر، ولتعكس سياساتنا تلك الروحية أيضاً.

لأنه علينا أن نختار في هذا البلد. يمكننا قبول سياسة تغذّي الانقسام والنزاع والتهكّم. يمكننا التعامل مع العرق كمشهد استعراضي – كما فعلنا في محاكمة أو جي سيمبسون – أو على أثر مأساة كما فعلنا بعد إعصار كاترينا – أو كمادة دسمة لأخبار المساء. يمكننا أن نعرض عظات القس رايت على كل القنوات يومياً، ونتحدّث عنها من الآن حتى الانتخابات، ونجعل السؤال الوحيد في هذه الحملة إذا كان الشعب الأميركي يعتقد أم لا أنني أؤمن أو أتعاطف بطريقة ما مع معظم كلامه المهين. ويمكننا أن نستغل هفوة ما من أحد مؤيّدي هيلاري ونعتبرها دليلاً على أنها تلعب الورقة العرقية، أو يمكننا التكهّن إذا كان كل البيض سيصوّتون لجون ماكين في الانتخابات العامة بغض النظر عن سياساته.

يمكننا أن نقوم بهذا.

لكن إذا فعلنا، أؤكّد لكم أننا سنجد في الانتخابات المقبلة حديثاً آخر يلهينا عن الأساس. ومن ثم حديثاً ثانياً وثالثاً، ولن يتغيّر شيء.

هذا خيار. لكن في هذه اللحظة، في هذه الانتخابات، يمكننا أن نلتقي معاً ونقول "ليس هذه المرة". هذه المرة نريد أن نتحدّث عن المدارس المتداعية التي تسرق مستقبل الأولاد السود والبيض والآسيويين والأولاد الناطقين الإسبانية وأولاد الأميركيين الأصليين. هذه المرة نريد أن نرفض نزعة التهكّم التي تقول لنا إن هؤلاء الأولاد لا يستطيعون أن يتعلّموا؛ وإن أولئك الأولاد الذين لا يشبهوننا ليسوا مشكلتنا. ليس أولاد أميركا أولئك الأولاد، إنهم أولادنا نحن، ولن ندعهم يتخلّفون عن الركب في اقتصاد القرن الحادي والعشرين. ليس هذه المرة.

هذه المرة نريد أن نقول كيف يصطف في أقسام الطوارئ في المستشفيات بيض وسود وناطقون الإسبانية لا يملكون رعاية صحية، ولا يملكون القدرة على تجاوز المصالح الخاصة في واشنطن، لكن يمكننا أن نتجاوزها إذا اتّحدنا معاً.

هذه المرة نريد أن نتكلم عن المعامل التي أغلقت أبوابها بعدما كانت تؤمّن حياة كريمة لرجال ونساء من مختلف الأعراق، والمنازل المعروضة للبيع التي كانت ملكاً في السابق لأميركيين من مختلف الأديان والمناطق ومشارب الحياة. هذه المرة نريد أن نتكلم عن أن المشكلة الحقيقية ليست أن من لا يشبهك قد يستولي على وظيفتك؛ بل إن الشركة التي تعمل لحسابها ستشحن هذه الوظيفة إلى الخارج لمجرّد تحقيق مكسب.

هذه المرة نريد أن نتحدث عن الرجال والنساء من مختلف الألوان والعقائد الذين يخدمون معاً ويقاتلون معاً وينزفون معاً في ظل العلم الفخور نفسه. نريد أن نتحدث عن السبيل لإعادتهم إلى ديارهم من حرب لم يكن يجب أن يؤذَن بها ولا أن تُشَن، ونريد أن نتحدّث عن السبيل لإظهار وطنيتنا عبر الاهتمام بهم وبعائلاتهم، ومنحهم المنافع التي استحقّوها.

ما كنت لأترشّح للرئاسة لو لم أكن أؤمن من أعماق قلبي بأن هذا ما تريده الغالبية الساحقة من الأميركيين لهذا البلد. قد لا يكون هذا الاتحاد كاملاً أبداً، لكننا أظهرنا جيلاً تلو الآخر أنه يمكن صقله ليصبح كاملاً. واليوم، كلما راودتني الشكوك أو شعرت بالتشاؤم حيال إمكان تحقيق ذلك، ما يمنحني الأمل الأكبر هو الجيل المقبل – الشبّان الذين صنع سلوكهم ومعتقداتهم وانفتاحهم للتغيير، التاريخ في هذه الانتخابات.
ثمة قصة أود أن أرويها لكم في ختام كلمتي اليوم – وقد سبق أن رويتها عندما حظيت بشرف التحدث في عيد مولد الدكتور كينغ في كنيسة إبنزر المعمدانية في مسقط رأسه في أتلانتا.

نظّمت امرأة بيضاء شابة عمرها 23 عاماً وتدعى آشلي بايا، حملتنا في فلورنس في كارولينا الجنوبية. وقد عملتْ منذ بداية هذه الحملة على تنظيم جماعة تتألف في شكل أساسي من الأميركيين الأفارقة. وذات يوم كانت جالسة إلى طاولة نقاش مستديرة حيث راح الجميع يخبر قصته وعن سبب وجوده هناك. فقالت آشلي إنه عندما كان عمرها تسعة أعوام، أصيبت والدتها بالسرطان. وبما أنها كانت مضطرة إلى التغيب عن العمل في بعض الأيام، سُرِّحت وخسرت الرعاية الصحية. فكان عليهم أن يتقدّموا بدعوى إفلاس، وعندئذٍ قرّرت آشلي أن عليها القيام بشيء ما لمساعدة والدتها. كانت تعلم أنهم ينفقون الجزء الأكبر من مالهم على الطعام، فأقنعت والدتها أن ما تحبه فعلاً وترغب في أكله أكثر من أي شيء آخر هو سندويشات الخردل والتوابل لأنها الأرخص ثمناً.

واستمرت في أكل هذه السندويشات طوال عام إلى أن تحسّن وضع أمها الصحي، وقد قالت لجميع الحاضرين حول الطاولة المستديرة بأن السبب وراء انضمامها إلى حملتنا هو رغبتها في مساعدة ملايين الأولاد في البلاد الذين يريدون، ويحتاجون إلى أن يساعدوا أهلهم أيضاً.

كان بإمكان آشلي أن تتّخذ خياراً آخر. ربما قال لها أحدهم في مرحلة ما إن مصدر مشكلات والدتها هم السود الذين يفيدون من الرعاية الاجتماعية وإنهم كسالى جداً إلى درجة أنهم لا يعملون، أو الناطقون الإسبانية الذين يدخلون البلاد بطريقة غير شرعية. لكنها لم تفعل. بل بحثت عن حلفاء في معركتها ضد اللاعدالة.

في مختلف الأحوال، تنهي آشلي قصتها ثم تدور على الحاضرين في الغرفة وتسأل كل واحد منهم لماذا يدعم الحملة. لكل منهم قصته وأسبابه المختلفة. يتحدّث كثر عن مسألة محدّدة. وفي النهاية يصلون إلى العجوز الأسود الذي يجلس بصمت طوال الوقت. وتسأله آشلي عن سبب وجوده هناك. فلا يتطرّق إلى مسألة محدّدة. لا يذكر الرعاية الصحية ولا الاقتصاد. لا يذكر التعليم ولا الحرب. لا يقول إنه موجود هناك لأجل باراك أوباما. بل يقول ببساطة لجميع الموجودين في الغرفة "أنا هنا لأجل آشلي". "أنا هنا لأجل آشلي". تلك اللحظة من التقدير بين تلك الشابة البيضاء وذلك العجوز الأسود ليست كافية لوحدها. ليست كافية لمنح الرعاية الصحية للمرضى أو الوظائف للعاطلين عن العمل أو التعليم لأولادنا.

لكنها المكان الذي يجب أن ننطلق منه، ويجعل اتحادنا أقوى. وكما أدركت أجيال كثيرة طوال 221 عاماً منذ توقيع مجموعة من الوطنيين تلك الوثيقة في فيلادلفيا، من هنا يبدأ الكمال.