المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل حقاً هذه هي الديمقراطية?


مشرف1
29-06-2006, 02:06 AM
هل حقاً هذه هي الديمقراطية?


منذ صدور المرسوم الأميري بحل مجلس الأمة, وقبل أن يتم الإعلان رسمياً عن فتح باب الترشيح لانتخابات جديدة, تدفق سيل جارف لم ولن يتوقف حتى يوم الاقتراع الخميس المقبل, من الاتهامات والانتقادات الموجهة إلى الحكومة, والتي بلغت في أحيان كثيرة حد التشاؤم.
المرشحون في ندواتهم الجماهيرية قالوا في الحكومة ما لم يقله مالك في الخمر, فاتهمها بعضهم بأنها »تبيع البلد« من خلال مشروع تطوير حقول النفط الشمالية, وترهن مستقبله ومستقبل ابنائه لشركات أجنبية تسرق ثروتنا الوطنية وتلقي إلينا بالفتات, وآخرون وصفوا الحكومة بأنها تشرع أبواب الثراء أمام الأثرياء أصلاً, وتضيق المجال أمام محدودي الدخل, فتزيد الأغنياء غنى والفقراء فقراً, وزادت جرعة التشاؤم عند أحد المرشحين فتوقع أن نرى في المستقبل القريب مواطنين يعلقون لافتات على أجسادهم تقول »تبرعوا للكويتي المسكين«, فيما حمل جميع المرشحين -تقريباً- الحكومة مسؤولية تدهور التعليم وتراجع الخدمات الصحية التي اعتبرها بعضهم »خربانة« وروى أن أحد المواطنين توفي عندما أصابه تعب مفاجئ في القلب وتوجه به أهله إلى مستوصف قريب فاكتشفوا أنه مغلق, وخلال نقله إلى مستوصف بديل لفظ أنفاسه الأخيرة, حتى أزمة المياه الحالية التي تضرر منها بالفعل المواطنون والمقيمون, ذهب عدد من المرشحين إلى أنها »أزمة مفتعلة لتنفيع حرامية كبار في وزارة الطاقة«, أما كيف يتم هذا التنفيع, فيكشف لنا نائب إسلامي سابق ومرشح حالي أن ذلك سيحدث عبر إبرام صفقة تزويد الكويت بمياه من إيران, وهو ما يثير تساؤلات كثيرة حول ما إذا كان ممكنا أن تقوم حكومة - أي حكومة - بقتل مواطنيها عطشاً, وتتركهم نهباً للقذارة والأمراض, من أجل أن تستورد مياهاً من دولة أخرى, ولتنفيع بعض المسؤولين, وهو ثمن بخس -حتى لو بلغ ملايين الدنانير - لجريمة شنيعة إذا صحت تلك الأقوال المرسلة وغير المستندة إلى أي توثيق, جريمة تستحق أن يقدم المسؤولون عنها إلى محاكمة عاجلة ليأخذوا جزاءهم العادل.
الغريب فعلاً هو هذا الصمت المريب من جانب الحكومة والتي تملك ناطقاً رسمياً هو وزير الإعلام, الذي لم نشهد له أي تداخل في الحملة الانتخابية إلا عندما تعلق الأمر بوزارته تحديداً, في القصة المعروفة والتي أخذت كثيراً من الشد والجذب, حول أحقية وقانونية منع قناة »نبيها تحالف« وشقيقاتها من الفضائيات المهتمة بمتابعة الانتخابات من البث على القمر الاصطناعي »عربسات«..عدا ذلك لم نجد أي مسؤول حكومي يرد على هذا الطوفان الهادر من الاتهامات الموجهة إلى الحكومة وهو ما يوقع المواطنين في بلبلة وحيرة من أمرهم فهم أمام أحد احتمالين: إما أن مرشحيهم - وبالتالي نوابهم مستقبلاً - كاذبون, وتلك مصيبة أن يكون ممثلو الأمة كاذبين, وإما أنهم صادقون وتلك مصيبة أكبر, لأن المواطن ساعتها سيفقد الثقة في حكومته الحالية وحكوماته السابقة والآتية أيضاً, وسيعتبرها متهمة »مع سبق الإصرار والترصد« بتدمير حياته وتحويلها إلى جحيم وسرقة ثروته جهاراً نهاراً, ومن ثم »بيع البلد«, وهي اتهامات ترقى - إن صحت - إلى مرتبة »الخيانة العظمى«, فكيف يمكن أن تقبل حكومة بتشويهها إلى هذه الدرجة, من دون أن يتطوع ناطقها الرسمي أو أي وزير آخر, أو جهة رسمية ما, بالتعقيب والتوضيح وكشف الحقائق على الملأ.
في الدول عريقة الديمقراطية لا يمكن أن يحدث مثل هذا الصمت أو »التجاهل«, ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يبادر الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض, أو باسم وزارة الخارجية إلى عقد مؤتمر صحافي يفند فيه أي اتهام موجه إلى الإدارة الأميركية, من داخل البلاد أو خارجها, حتى لو كان هذا الاتهام منشوراً في صحيفة مغمورة لا يقرؤها سوى بضع مئات من الناس, أو على أحد مواقع الإنترنت, أو حتى صادراً عبر شريط فيديو يتحدث فيه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أو نائبه أيمن الظواهري, مع أن الإدارة الأميركية قادرة على التجاهل أو »التطنيش« لكنها ترفض هذا الأسلوب في التعامل مع مواطنيها ومع العالم, وترد على جميع ما يوجه إليها من انتقادات لأنها تؤمن بأن الحور والمكاشفة هي أقرب طريق للوصول إلى الحقيقة.
أما عندنا فيبدو كما لو كان هناك »اتفاق جنتلمان« بين الحكومة والمرشحين, تقضي بنوده بأن يوجه المرشحون إلى الجهات الرسمية ما شاؤوا من اتهامات, والحكومة »عمك أصمخ« وكأنها لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم, أو كأن هذه الانتقادات موجهة إلى حكومة »واق الواق« وليس إلى حكومة الكويت, لذلك فإنه حتى تلك الاتهامات فقدت معناها ومدلولها, ولم يعد المواطن يعبأ بها, وإنما هو يسمعها من باب »التسالي« وتزجية الوقت, وهو أمر شديد الخطورة في الممارسة السياسية, ويستوجب وقفة جادة للمراجعة والتقييم, وإعادة النظر في بديهيات كثيرة تسود حياتنا السياسية, وهو أيضاً ما يجيز لنا أن نتساءل: هل حقاً هذه هي الديمقراطية?

http://www.alseyassah.com/alseyassah/ShefSig.gif